02
نيسان

تعلّموا من الصّين: صاحب بوش ونام بالحوش ولا تصاحب ترامب بتنام بالتّراب

الدكتور وائل عواد

 

كثُر الحديثُ في معظم أرجاء الكرة الأرضيّة حول فيروس كورونا ليصبح على لسان كل النّاس وقلّما تجد إنساناً لا يتحدّث عنه، أو لم يرسل لك نصائح قد استلمَها من أحدهم لا تزيد عن خلطة الفول والتسقيّة وطبقٍ جديدٍ على وسائل التّواصل الاجتماعي من مطبخ أم علي وأم النور وأم عمروأم إلياس إلى أم المطابخ. لقد بدأ المشعوذون وتجّار الدين والمنظّرون ينشرونَ اجتهاداتهم وتحليلاتهم حول الفيروس وكيف تفشّى ولماذا ومن يقف وراءهُ، وكلٌّ  يغني على ليلاه. الجميع خائفٌ والجميع عالمٌ متفلسفٌ ومتحذلقٌ، ولا أحد يملك المصلَ الطبيَّ  للمعالجة، بل بحوزته مصلٌ اجتماعيٌّ دينيٌّ ونصائحُ باليةٌ زادت من الوضع سوءاً وتعقيداً، وأدّت إلى ارتفاع نسبة الشّحوم وضغط الدم والأرق والهلع وغيرها من العوارض سببها الخوفُ والجهلُ من فيروسٍ لا تراهُ العينُ.

لم يقتصر ذلك على العامّة بل تعدّاهُ إلى صنّاع القرار الذين يسرّبون الأخبارَ الكاذبةَ ليتبنّاها البعضُ ويتمَّ نشرُها للإساءة إلى حكوماتٍ ودولٍ لا تروق لهم. وشنّ بعض السكّان في العديد من الدّول هجوماً عنصريّاً على الصّينيّين وقاطعوا بضائعَهم ومحلّاتِهم التجاريّةَ وحرّموا الاختلاط بهم. ووصل الأمرُ لدى البعض بمطالبة حكوماتِهم بطرد الصّينيّين من بلادهم إلى أن أصابَهم البلاءُ، وانتقلَ الفيروسُ إلى قارّتهم لتصبحَ المركز الأساسيّ لانتشاره. بيدَ أنّ هذه الدعاياتِ السّخيفة لم تنجح بزرع العداء والبغضاء فحسب، بل جنت على نفسها براقش كما يُقال من حكومات هذه الدول التي جعلت شعبها ينشغل بوقوع الوباء في منطقةٍ جغرافيّةٍ نائيةٍ إلى أن حلّت المصيبةُ فوق رؤوسهم وظهرت الأعطابُ والأخطاءُ، إذ تبيّن أن هذا الفيروس يصيبُ جميعَ بني البشر  ليغدوَ وباءً عالميّاً يتطلّبُ جهوداً مكثّفةً من جميع دول العالم للبحثِ عن مضادٍّ لهُ لحماية البشريّة جمعاء. وقد وضعت الطريقةُ التي بدأ ينتقل بها الفيروس من قارّةٍ إلى أخرى الجميعَ تحت سقفٍ واحدٍ، وأجبرتنا على البقاءِ في منازلنا والتقيّد بالحجر الصحّيّ الذاتيّ  وعدم الخروج إلا للضرورة القصوى . ولم تنفع العباراتُ السياسيّةُ  والعنصريّةُ بإعطاءِ الفيروس طابعَ دولةٍ كما سمّيَ “فيروسٌ صينيٌّ”، وعادت البضاعةُ الصينيّةُ لتكونَ مجدّداً المخرجَ الآمن الضامن والشافي لهذا الوباء الجرثوميّ والاجتماعيّ الأكثرَ خطورةً. وتحاولُ جميعُ الدّول الآن الاستفادةَ من التجربة الصينيّة  في احتواء الانتشار والبحث عن عقارٍ طبيٍّ للتخلّص منه. وفي الوقت الذي يتّهم العالمُ الصّينَ بتقليد كافّة الماركات والمنتجاتِ العالميّة، تتوجّهُ أنظارُ الجميع الآن إلى التنين الصينيّ للحصول على عقارٍ طبيٍّ رخيصٍ لمحاربة هذا الفيروس، وبذلكَ انقلبَ السّحرُ على السّاحر.

 

تعقّم وتوكّل يا ابن آدم

في الوقتِ الذي انشغلَ فيه العالمُ بالوباءِ، كان تجّار الدّين يطالبون بالإبقاء على دور العبادة مفتوحةً امام المصلّين، وكأنّ الأمر بهذه البساطةِ، غير مكترثين لحجم الكارثة البشريّة، إلى أن بدأ الخطر يصيبهم هم بالذّات .

تمكّنت كلٌّ من الصّين وسنغافورة وكوريا الجنوبية من احتواءِ المرضِ والحدّ من انتشارهِ، ولعلّ الدرس الأوّل للتعلّم هو خطّ الدّفاع الأساسيّ بنشر المعلومات الصحيحة عن عدد الإصابات والمناطق الموبوءة والعزل التامّ للمصابين وعدم السّماح بالاختلاط والتنقّل والسّفر. وطرحت إحدى المحطّات المرئيّةِ سؤالاً خلال مقابلةٍ أجرتها معي عن الفرق بين الأنظمة الدكتاتوريّة والديمقراطيّة في التّعامل مع الفيروس، ولماذا نجحت الصين بينما فشلت دولٌ “متحضّرةٌ وديمقراطيّةٌ”؛ إنّهُ تساؤلٌ تصعبُ الإجابةُ عليهِ في حالات الطّوارئ هذه، ولكنّ النّاسَ جميعاً اتّفقوا على أنَّ النّظامَ الحديديَّ في الصّين استطاع إقناع شعبهِ وفرض حجرٍ صحيٍّ لأكثر من 60 مليون شخصٍ، ولم تكترث الحكومةُ الصينيّةُ لانتقادات لجان الدّفاع عن الدّيمقراطية و حقوق الإنسان، ونزل الجيشُ الصينيُّ ليفرضَ الأوامر بالقوّة ويعاقب المخالفين، كما شنَّ حملةَ توعيةٍ ضخمةٍ مستفيداً من تكنولوجيا المعلومات في نشر الخبر وتشخيص المصابين ونقلهم وعزلهم وإعمار المشافي الخاصّة لمعالجتهم خلال فترةٍ زمنيّةٍ وجيزةٍ؛ بينما عجزت الدّولُ المتحضّرةُ والدّيمقراطيّاتُ الباليةُ عن منع الانتشار. وعرّت الأزمة النّظامَ الصحيَّ والاستعداداتِ الطبيّةَ لمواجهة انتشار الوباء في الوقت التي تنفق فيه هذه الدّول ملياراتٍ من الدّولارات لتحديث أسلحتها النووية والبيولوجيّةِ والجرثوميّة لقتل بني البشر، كما لم تستطع أن تحميَ مواطنيها بشكلٍ كاملٍ من الوباء، ولا حتّى أن توفّر له مستلزماتِه الضروريّةَ!

تقاعست العديد من الدّول في محاربة الوباء، بينما تستحقُّ دولٌ قلّةٌ الثّناءَ ومنها سنغافورة، إذ كانت حكومة سينغافورة من أوائل الدّول التي حاربت انتشار الفيروس، وسارعت إلى حشدِ الدّولةِ لحجرٍ كاملٍ للدّولة الصّغيرة وسط رضىً شبه تامٍّ من السكّان عن خطوةِ الحكومة التي أثبتت فعاليّتها، كما جنّدت جميعَ وسائل التّواصل الاجتماعيّ لنشر الأخبار الصّحيحة عن الفيروس وتوعية السكّان، وفرضت عقوباتٍ صارمةً على من يخالف التّعليماتِ  ويروّجُ لأخبارٍ كاذبةٍ ويبثّ الذّعر في نفوسِ المواطنين، وحثّت المواطنين على ضرورة التّعاون والتقيّد بالتّعليمات بالكاملِ. وقد تمّت معالجةُ المصابين، ولم تُسجّل حالةُ وفاةٍ واحدةٌ.

تمكّنَ علماء الصّين من تحقيق إنجازٍ مبدئيٍّ في محاربة الفيروس، وشعر الأطبّاء في مدينة ووهان، حاضرة المقاطعة، بنشوة الانتصار بعد نجاحهم في معالجة المصابين والحدّ من انتشار العدوى، وبدأ السكّان بالعودة إلى عملهم تدريجيّاً على الرّغم من التّحذيرات من هجومٍ ثانٍ للفيروس .

والآن، اقتنعَ العالمُ أنّ هذا الفيروس وباءً عالميّاً لابدّ من مجابهته بجميع الطّرق الطبيّة والعلميّة المتاحة، وانكبّ العلماءُ  في المخابر بحثاً عن مضادٍّ حيويٍّ له في معظم الدّول من الصين وكوريا الجنوبية وأستراليا وإيران وإيطاليا وفرنسا وألمانيا والولايات المتحدة وغيرها من الدّول ما عدا دولنا العربيّة التي تقفُ حتّى إشعارٍ آخر بانتظار هذه الدّول لتقومَ بإنتاجهِ ليقوموا بشرائه منها!

لا بدّ من الإشارة هنا إلى أنّ العديد من دول العالم كانت مستعدّةً طبيّاً وصحيّاً لمواجهة المخاطر والكوارث، لكنّ هذا الوباء فضحَ التقصير في الاستعدادات وكشفَ المستور .

رُبّ ضارّةٍ نافعةٌ – النّظافة من الإيمان

تحاولُ بعض الحكومات استغلال الوباء لمنع التجمّعات والتّظاهرات وتنفيذ مآربها السياسيّة وتطبيق أجندتها الخاصّة  خصوصاً هنا في الهند، حيث اتّهمت أحزاب المعارضة الحكومة باستغلال الظّرف القائم لقمع الاحتجاجات ضدّ قانون الجنسيّة المثير للجدل . بيد أنّ الأوضاعَ الصحيّةَ والخطر المحدق في شبه القارّة الهنديّة دفعت برئيس الوزراء للبحث عن حلٍّ جماعيٍّ مع قادة مجموعة رابطة جنوب آىسيا للتعاون الإقليميّ والمعروفة بالسارك، ووضعِ الخلافات جانباً للقضاء على الوباء الذي يهدّد خُمسَ  البشريّة من سكّان الدّول الأعضاء  في الرّابطة. ومن المتوقّع أن تُعلنَ حالةُ الحجرِ الصحيّ في الهند للحدّ من انتشاء الفيروس بعد ان بدأت الحالاتُ بالتّزايد .

تتشاطرُ دولُ جنوبِ آسيا  العديدَ من التّحدياتِ والمخاطرِ والأوبئة والفقر والجهل، وتحتاجُ للتّعاون فيما بينها لمواجهتها والقضاء عليها وتحسين مستوى الحياة المعيشيّة والاقتصاديّة للسكّان الذين يشكّلُ 40% منهم أبناءُ الطّبقات الفقيرة. ويعدُّ قطّاعُ الصحّة الأقلَّ تطوّراً واستعداداً لمواجهة الكوارث الطبيعيّة في معظم دول الرّابطة بسبب التعداد السكانيّ الهائل،   وثمّةَ جهلٌ وعدم اكتراثٍ لمخاطر هذا الفيروس القاتل، فعلى سبيل المثال لا الحصر، تمّ في ولاية أوديشا غربي الهند، وفي عاصمتها بوبينشوار تحديداً، تشخيصُ مريضٍ مصابٍ بالفيروس، وكان هذا المريضُ قد قدمَ من إيطاليا إلى مطار نيودلهي واستقلّ المترو للوصول إلى محطّة القطار والعودة إلى مسقط رأسه على بعد أكثر من 1000 كم. كم سيكلّفُ شخصٌ واحدٌ الحكومةَ الهنديّةَ لحجره ومعالجته والبحثِ عن مصابين اختلطوا معه للحدّ من انتشار الفيروس؟ المأساة هنا تكمنُ في أنّ العديدَ من المشعوذين ينشرون أخباراً ملفّقةً وكاذبةً عن طرق المعالجة والوقاية، وهذا يزيدُ الطّين بِلّةً في الأنظمة الدّيمقراطيّة التي لا تتّخذ الإجراءاتِ الحاسمةَ بحقِّ المخالفين والجهلةِ،  ومنع الاختلاط والابتعاد عن دور العبادة وغيرها من أماكن التجمع؛ ويقتصر الردُّ في تبادل الاتّهامات بين الحزب الحاكم وأحزاب المعارضة مما يزيد السّخط الشعبيّ، إذ يدفع المواطن ثمنَ الخلافات وتبادل الاتّهامات بين صنّاع القرار.

<
02
نيسان

دكتوراه في علم الفهم انولوجيا الكورونيّة

د. وائل عواد
أُغلِقت المدرسةُ البريطانيّةُ قبل عدّة أيّامٍ من إعلان رئيس الوزراء الهنديّ حالة الإغلاق التامّ في الهند لمدّة ثلاثةِ أسابيعَ حرصاً على سلامة الأطفال من تفشّي الوباء – كورونا . وبدأت المدرسةُ بالتّدريس عبر الشّبكة العنكبوتيّةِ (أونلاين).
وبما أنَّ الحركةَ بدأت تتباطأُ خارجَ المنزلِ، طلبتُ من سائقي – تشاندان – البقاءَ في حجرتهِ الصّغيرةِ، وعدمَ الاختلاطِ مع العامّة، والابتعادَ عن التجمّعاتِ والأماكن العامّة، وأن يتجنّبَ الخروجَ من غرفتهِ، كما أعطيتهُ نقوداً لشراءِ حاجيّاتهِ وتخزينِها خلالَ هذه الفترةِ بالاضافة إلى معقّماتٍ وكمّاماتٍ طبيّةٍ لاستعمالِها عند الضّرورةِ. لقد غمرتهُ السّعادةُ وخرجَ مسرعاً إلى منزلهِ القريبِ.
في اليوم التّالي أرسلَ لي رسالةَ واتس أب ليتمنّى لنا البقاء سالمين في المنزلِ، فقمتُ بِشُكرهِ، وكررّتُ له ذات التّعليماتِ، وأرسلتُ له فيضاً من الرسائل والفيديوهات التي استلمتُها لتقديمِ الإرشاداتِ لهُ وإبقائهِ في المنزل حفاظاً على حياتِهِ.
ينحدرُ السّائقُ تشاندان من ولاية بيهار الغربيّة، وقد قَدِمَ إلى العاصمة دلهي للعملِ وكسبِ لقمةِ العيشِ تاركاً زوجته وطفليه هناك في قريته.
بعد عدة أيّامٍ أعلنَ رئيسُ الوزراء الإغلاقَ التامَّ للبلادِ لمدّة ثلاثةِ أسابيعَ، ودخلَ القرارُ حيّزَ التّنفيذ منتصف اللّيلةِ ذاتِها، أي بعد أربع ساعاتٍ فقط من خطابه المتلفز للشعب الهنديّ. توقّفت القطاراتُ ووسائلُ النّقلِ العامّةِ ممّا زادَ الطّين بلّةً لتتحوّلَ المأساةُ الإنسانيّةُ إلى اجتماعيّةٍ، إذ هَرَعَ مئاتُ الآلافِ من العمّال للهروبِ من دلهي والعودةِ إلى قراهم بعد أن رفضَ أربابُ العملِ تقديمَ المأوى لهم أو حتّى دفع أجورهم اليوميّة. وبدلاً من منع التجمّع لأكثر من أربعةِ اشخاصٍ، كانت الأعداد من الكتل البشريّة المزدحمةِ مخيفةً على نقاطِ العبورِ، ومعظمُهم يعاني من الجوع والعطش ولا يملك كمّاماتٍ أو ادوات تعقيمٍ. وروى العديدُ من النّاس الحكايات الكثيرةَ عن معاناتِهم في العودةِ إلى قراهم، ولعلّ الأسوأ كانت لثلاثة أشخاصٍ قطعوا مسافة 1200 كم إلى ولاية بيهار على درّاجةٍ هوائيّةٍ بثلاثة عجلاتٍ تناوبوا في قيادتها حتّى وصلوا، وغيرها الكثيرُ من القصص المأساويّة والمعاناة اليوميّة …
مايهمُّ في الأمرِ أنَّ سائقي تشاندان كان ممتنّاً لما قدّمتهُ لهُ، وقد أرسلتُ له فيديو كليب عن مجسّمٍ للفيروس إذ يتدحرجُ خارجَ المنزلِ وكيفَ هربَ النّاسُ منه وارتدوا الكمّاماتِ وتعقّموا، وبالتّالي عادَ الفيروسُ أدراجَه وسطَ تصفيقٍ حارٍّ ورقصاتٍ شعبيّةٍ على أنغام أغنيةٍ من أفلام بوليوود الشهيرةِ ليتنهي الفيلمُ بانتصار الشّعب على الفيروس وعدم الخروج . فرح تشاندان لهذا الفيديو وأرسل لي أيقونة إعجابٍ (لايك) بابتسامة ايموجي عريضةٍ لم أستطع الوصولَ إلى مصدرها، لكنّها كانت جميلةً بصورةِ ناسكٍ هنديٍّ يضحكُ وأسنانهُ المفرقةُ تتبدّى بابتسامته العريضةِ فبدا بامكاني ان أُدخِلَ أنبوبَ التنفّسِ الاصطناعيّ لتخديرِه إن لزم الأمرُ، ههههه …
النّصيحة الرابعة : التعقيم ثمّ التعقيم
فُقِدت الأدويةُ والمعقمّاتُ من الصيدليّات في الهند بسرعة البرق بعد النّصائح المتكرّرة بغسل اليدين بشكلٍ مستمرٍّ، فالهندُ بلدُ المليار و300 مليون نسمةٍ ولا يمكنُ توفيرُ المعقمّات للجميعِ. وقد استمعتُ إلى بعض المقاطع من الفيديو خصوصاً من المدمنين على الكحولِ والتي تنصحُ باستخدام الكحول للتعقيم في حال تعذّرَ الحصولُ على المعقمّاتِ من الصيدليّات. ولحسنِ حظّي وجدتُ في مكتبي عدّة زجاجات كحولٍ كنت قد ابتعتُها من السّوقِ الحرّةِ خلالَ أسفاري المتكرّرةِ، وقد احتفظتُ بها لإهدائها في المناسباتِ، ووجدتُ ضالّتي بها الآن لاستخدامها للتعقيم ريثما أستلم الكميّةَ التي أوصيتُ عليها من المعقمّات وفي حال استهلكنا ما لدينا…
وبدأت بتعليم الأطفال كيفيّة التّعقيم فيما لو اضطررنا لذلك، فوضعت على يدي قليلاً من وسكي شيفاز ريغال ومسحتُ بها وجهي ووضعتُ لزوجتي قليلاً من زجاجة الفودكا باعتبار أنّها لا تحب رائحة الويسكي …
طبعاً شعرنا بالغثيان والدّوخة، ولكن للضرورة أحكامٌ والغايةُ تبرّرُ الوسيلةَ فنحن بحاجةٍ للوقاية …
اتصل بي السائق تشاندان مساءً يريد نقوداً، إذ أنفق ما بحوزتهِ وهو بغرفته وحيداً يطبخُ ويأكلُ ويشربُ وينامُ، فطلبتُ منهُ أن ياتي في صباح اليوم التّالي لأعطيهِ بعضَ الأوراق النّقديّة …
رنَّ جرسُ المنزلِ في الصّباح، وشاهدتُ عبر شاشة المراقبةِ رجلاً يقف أمام البيت وعلى رأسه خوذةٌ الكترونيّةٌ تتدلّى منها أجسامٌ غريبةٌ تشبه مجسّم كورونا الذي صوّرته أجهزة المجهر الدّقيقة ويشبه ما شاهدته على رأس أحد عناصر الشّرطة في ولاية تاميل نادو وهو يوقف المارّة ويجبرهم على العودةِ ليبثّ الرّعب في نفوسهم لهذا الفيروس القاتل الذي يهاجهمهم إذا لم يلزموا منازلهم ويعودوا أدراجهم بسرعةٍ وسطَ بكاء الصّغار، ومنهم من التقطَ الصّور التّذكاريّة مع رجلِ الأمن …
فتحتُ الباب قليلاً وسألتُ: “من الطّارق ؟” ليجيبَ: “أنا السّائق تشاندان يا سيّدي جئتُ لآخذ مالاً منك كما قلت لي .”
فتحت باب المنزل قائلاً : “خليك بعيد… ماهذه الخوذة على رأسك ؟”
“سيدي هذه خوذتي، فقد جئتُ على الدّرّاجة الناريّة، وهذه الكمّامة التي أعطيتني إيّاها أنت على فمي أيضاً… لا تؤاخذني يا سيّدي هل أنت سكران أعرف أنّك لا تشرب ؟
“ماعليك سوف أشرح لك في وقتٍ لاحقٍ، فقد انسكب الويسكي على ثيابي أثناءَ التّعقيم …انتظر” قلتُ له ذلك وأغلقتُ البابَ…
هرعتُ إلى الدّاخل وكنت مذعوراً وقلقاً أسأل نفسي ترى هل جاء يحمل معه الفيروس كورونا؟ أم جاءَ ليروّعني كي لا يعود للعمل؟ وكان أفرادُ العائلةِ يراقبونه عبر شاشة المراقبةِ المنزليّةِ.
تبرّعت زوجتي بمكنسة التّنشيف الطّويلةِ، فوضعتُ النّقود بكيس نايلون صغيرٍ وربطته في مقدمة المكنسة اليدوية، وفتحتُ الباب، ومددتُ العصا وقلت لهُ: “خذ النقود وعد بسرعةٍ إلى منزلك ولا تخرج …” أجابني: “حاضر سّيدي… شكريا ناماستي (أي (شكراً مع السلامة )” وهرعَ خارج المبنى. ركضنا خلفَه بالبخّاخات والمعقّمات حتى الباب الخارجيّ، وعدنا أدراجنا إلى المنزل وأغلقنا الباب خلفنا بإحكامٍ …
كان لي صديقٌ قد أرسل فيديو يابانيٍّ تعليميٍّ بتصويرٍ تقنيٍّ عالي الاحتراف لرذاذ أحد الأشخاص أثناء العطس ولم أفهم الكلام لأنّني لا أجيدُ اللّغة اليابانيّة، ولكنّهُ تم تحديد نسبة التّلوّث من التّصوير الدقيق للعطس في الجوّ وتحذير اليابانيّين بالابتعاد عن المارّة وعن بعضهم البعض مسافةً لا تقلّ عن مترٍ ونصف المتر والتزام المنازل .
ثمّة طرقٌ متعدّدةٌ لتوعية الأهالي وإرشادهم للوقاية من الفيروس تختلفُ من دولةٍ إلى أخرى حسب ثقافتهم ودرجة وعيهم، ويدركُ مخترع الخوذة الفيروسيّة الشّكل خطر الفيروس كورونا على المجتمع، وأراد إيصال الرّسالة بأقصى سرعةٍ، ربّما بسبب الكثافة السكانيّة الهائلة في شبه القارّة الهنديّة، وهذا مادفعهُ لاختراع مجسّمٍ بحجم تمثالٍ …
وطلبتُ من قسم الشّرطة في الولاية إعطائي عنوان ورقم جوّال صاحب الاختراع الجديد لأقدّم طلبيّةً بمليون خوذةٍ على الأقلّ وأصدرّها إلى عالمنا العربيّ علّي أكسبُ ثروةً بذلك، وها أنا أبحث عن وكلاء لها الآن، فهل من وكيلٍ جاهزٍ يعمل من منزله ؟
التزموا المنازل حفاظاً على حياتنا، وللقصّة تتمّةٌ …
كاتب وصحفي سوري مقيم في الهند

02
حزيران

منح الدكتور وائل عواد الكاتب الصحفي السوري المقيم في الهند جائزة استديو مروى العالمية للتميز في الصحافة

منح الدكتور وائل عواد الكاتب الصحفي السوري المقيم في الهند ،جائزة استديو مروى العالمية للتميز في الصحافة اليوم السبت 13/2/2021 في حفل اقيم عبر الشبكة العنكبوتية وكان الدكتور وائل عواد من بين الصحفيين الذين كرموا بهذا الاحتفال السنوي التاسع مع عدد من الصحفيين العالميين والمخرجين والاكاديميين.

البوم الصور

وسيلة الإتصال

    • icon Vasant Vihar, New Delhi 110057, India
    • iconعنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
      عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
    • icon+91 (98100) 38211 
Top
We use cookies to improve our website. By continuing to use this website, you are giving consent to cookies being used. More details…